سيدي يوسف بن علي.. من مخبأ للوطنيين إلى عمالة أجهضها «نظام وحدة المدينة»

0

لم يكن سيدي يوسف بن علي، اليوم أحد أكبر أحياء مدينة مراكش، سوى دوار يقع جنوب شرق المدينة، نشأ وتطور خارج المدار الحضري، قبل أن يتحول، بفعل التوسع العمراني والديموغرافي، إلى واحد من أبرز التجمعات السكانية بمراكش.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن المنطقة كانت في بدايات القرن العشرين تُستغل كمرعى من طرف سكان أحياء بوسكري وباب أحمر والملاح، قبل أن يؤدي تزايد السكان، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تحولها تدريجياً إلى دوار آخذ في الاتساع.

وخلال فترة الحماية الفرنسية، اكتسب سيدي يوسف بن علي أهمية خاصة، بعدما أصبح ملاذاً للوطنيين المناهضين للاستعمار، كما ارتبط اسمه، في مرحلة أخرى، بإيواء بعض المجرمين والمهربين، وهو ما جعل سلطات الحماية تعيد النظر في وضعية المنطقة.

وفي سنة 1954، أقدمت سلطات الحماية على إلحاق سيدي يوسف بن علي بالدائرة الجنوبية لمدينة مراكش، بعدما كان تابعاً لأحواز المدينة. غير أن إدماجه ضمن المجال الحضري فرض تجهيز المنطقة بالمرافق والخدمات الأساسية.

ومع بداية الاستقلال، بدأ الحي يأخذ طابعاً حضرياً واضحاً، خصوصاً ابتداء من سنة 1958، حين كان عدد سكانه لا يتجاوز، حسب المعطيات المتداولة، نحو 20 ألف نسمة. وفي سنة 1961، اقتنت بلدية مراكش الأراضي التي كانت في ملكية الشركة الفرنسية «لوتيمار»، قبل أن تنطلق سنة 1963 عملية تجهيز الحي بشبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي.

من دوار هامشي إلى تجمع سكاني كبير

ظل سكان سيدي يوسف بن علي، وغالبيتهم من أصول قروية، يخوضون معركة طويلة من أجل انتزاع الاعتراف بحقهم في الاستفادة من شروط العيش الحضري، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والمادية، مع استمرار ارتباط جزء منهم بالقرى والمناطق المجاورة.

وبحلول سنة 1984، كان الحي قد أصبح يضم حوالي 80 ألف نسمة موزعين على مساحة تقدر بـ109 هكتارات، ليبدأ منذ ذلك التاريخ مسلسل متسارع من التحولات الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية.

فقد أخذت الصفة القروية في التراجع تدريجياً، وحل محلها مظهر حضري متنامٍ، غير أن هذا التحول لم يكن دائماً منظماً، إذ خلفت سرعة النمو السكاني والعمراني آثاراً واضحة على البنية العامة للحي، الذي ظل، لفترة طويلة، يحمل بعض سمات الأحياء الهامشية ومدن الصفيح.

سنة 1992.. سيدي يوسف بن علي تصبح عمالة

شكل سنة 1992 محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، بعدما تحولت سيدي يوسف بن علي إلى عمالة، في خطوة عكست الأهمية الديموغرافية والمجالية التي أصبحت تتمتع بها.

وعُيّن مصطفى مساميح أول عامل على العمالة، حيث انصبت الجهود الأولى على تثبيت الإدارة وترسيخ مختلف المصالح الخارجية، ووضع اللبنات الأساسية للهيكلة الإدارية الجديدة.

غير أن المتتبعين يعتبرون أن تعيين محمد الداودي عاملاً على عمالة سيدي يوسف بن علي شكل الانطلاقة الحقيقية لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.

فالداودي، الذي كان مهندساً متخصصاً في النباتات، ارتبط اسمه بعدد من المشاريع التي غيرت جزءاً من المشهد الحضري بالمنطقة، وفي مقدمتها مشروع «واحة الحسن الثاني» للنخيل والزيتون المجاورة لحدائق أكدال، والتي شكلت متنفساً مهماً لسكان العمالة.

كما شهدت المرحلة إحداث المركب الرياضي سيدي يوسف، الذي احتضن منافسات رياضية كبرى، من بينها بطولة العالم لألعاب القوى، فضلاً عن مباريات الكوكب المراكشي وعدد من التظاهرات الرياضية.

وعلى المستوى الإداري، تعززت مكانة المنطقة بإحداث مقر العمالة وبلدية سيدي يوسف بن علي ومقر الجهة، إلى جانب مجموعة من مقرات المصالح الخارجية، بما جعل الحي يبدو وكأنه يتجه نحو تكريس مكانته كقطب إداري وحضري مستقل داخل مراكش.

2003.. نهاية تجربة العمالة

لكن هذه التجربة لم تدم طويلاً.

ففي سنة 2003، جاءت إعادة هيكلة التقسيم الإداري للمدينة في إطار «نظام وحدة المدينة»، لتضع حداً لتجربة عمالة سيدي يوسف بن علي الفتية.

وبموجب هذا التحول، أُدمجت العمالة ضمن مدينة مراكش، وتحولت إلى واحدة من المقاطعات الخمس التابعة لمجلس المدينة، بعدما فقدت جزءاً كبيراً من اختصاصاتها ومكانتها الإدارية السابقة.

وهكذا، انتقلت سيدي يوسف بن علي خلال أقل من قرن من مجال كان يستعمل كمرعى لسكان الأحياء المجاورة، إلى دوار ومأوى للوطنيين خلال فترة الاستعمار، ثم إلى تجمع سكاني كبير، فعمالة قائمة بذاتها، قبل أن تعود سنة 2003 إلى وضعية مقاطعة ضمن نظام وحدة المدينة.

إنها مسيرة تختزل جانباً مهماً من تاريخ مراكش الحديث، وتكشف كيف تحولت الأطراف الجنوبية الشرقية للمدينة، بفعل النمو السكاني والهجرة القروية والتوسع العمراني، إلى مجال حضري فرض نفسه تدريجياً على الخريطة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية للمدينة الحمراء.

قد يعجبك ايضا