أحمد التويزي من استاذ العلوم الطبيعية إلى رئاسة المؤسسات المنتخبة.. مسار سياسي طويل من سفوح الجبل إلى قلب المؤسسة التشريعية.
ليس كل من يصل إلى قمة المسؤولية السياسية يبدأ مساره من أبواب المؤسسات الكبرى، فهناك من يصنعون مساراتهم انطلاقاً من الهامش، ومن تفاصيل الحياة المحلية، ومن الاحتكاك اليومي بانشغالات المواطنين. وأحمد التويزي واحد من الأسماء التي نسجت مسارها السياسي عبر محطات متعددة، متنقلاً بين العمل الجماعي المحلي والتدبير الجهوي والحضور البرلماني، إلى أن أصبح اسمه من بين الأسماء البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة وفي المشهد السياسي المغربي.
إن العودة إلى البدايات السياسية لأحمد التويزي تكشف عن مسار لا يمكن اختزاله في محطة حزبية واحدة أو منصب انتخابي بعينه، بل هو مسار تشكل عبر التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية المغربية، وتقاطعت فيه قناعات شخصية مع رهانات انتخابية وتوازنات حزبية، وصولاً إلى موقع متقدم داخل المؤسسات المنتخبة.
فالرجل، الذي ينحدر من المجال الجبلي، بدأ حياته المهنية أستاذاً للعلوم الطبيعية، في مرحلة كان فيها قطاع التعليم يشكل إحدى القواعد الاجتماعية والفكرية المهمة للعمل السياسي والنضال الحزبي بالمغرب. وقد ارتبطت هذه المرحلة بامتداد تأثير الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحزب الذي استقطب في سبعينيات القرن الماضي فئات واسعة من رجال ونساء التعليم، ممن وجدوا في العمل السياسي فضاءً للتعبير عن مواقفهم والمساهمة في النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، تبرز البدايات السياسية للتويزي بوصفها جزءاً من مرحلة كان فيها الانتماء الحزبي يتشكل داخل بيئات اجتماعية ومهنية محددة، قبل أن تتغير الاختيارات وتتبدل المواقع مع تعاقب المحطات السياسية. فقد اختار لاحقاً الالتحاق بحزب الاتحاد الدستوري، وهي الخطوة التي شكلت منعطفاً في مساره، ومهدت لبداية حضوره في تدبير الشأن العام عبر المؤسسات المنتخبة.
لكن المحطة التي ستمنح مساره السياسي أبعاداً جديدة جاءت سنة 2007، مع التحاقه بالأسماء التي واكبت صعود حزب الأصالة والمعاصرة، الذي دخل الحياة السياسية المغربية حاملاً رهانات جديدة على مستوى التنظيم والتموقع الانتخابي. ومنذ ذلك الحين، أصبح التويزي أحد الوجوه المرتبطة بهذا الحزب، مستفيداً من تراكم تجربته في العمل المحلي ومن حضوره داخل المجال الذي ينشط فيه سياسياً وانتخابياً.
من آيت أورير إلى جهة مراكش.. حين يصبح التدبير المحلي بوابة للصعود السياسي
لا يمكن قراءة تجربة أحمد التويزي دون التوقف عند آيت أورير، المدينة التي ارتبط اسمه بتدبير شؤونها الجماعية، والتي شكلت إحدى المحطات الأساسية في بناء حضوره السياسي.
فرئاسة الجماعة ليست مجرد منصب انتخابي، بل هي اختبار يومي لقدرة المسؤول على التعامل مع انتظارات السكان، وتدبير الملفات المحلية، ومواجهة تحديات التنمية والخدمات والبنيات التحتية. وهي، في الوقت نفسه، مساحة تتشكل فيها العلاقات السياسية وتتحدد من خلالها قدرة الفاعل المحلي على بناء امتداد يتجاوز حدود الجماعة.
ومن هذا الموقع، راكم التويزي تجربة في تدبير الشأن المحلي، قبل أن ينتقل إلى مستوى أوسع من المسؤولية، حين تولى رئاسة جهة مراكش تانسيفت الحوز، في مرحلة كانت فيها الجهة فضاءً لتدبير عدد من القضايا التنموية الكبرى.
لقد مثّل الانتقال من رئاسة جماعة ترابية إلى رئاسة جهة محطة مهمة في مساره، بالنظر إلى اختلاف طبيعة المسؤوليات واتساع المجال الترابي وتعدد الفاعلين المؤسساتيين. فالتدبير الجهوي يفرض مقاربة تتجاوز المطالب المحلية المباشرة نحو قضايا التنمية المجالية والتوازن بين المناطق وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين.
وهكذا، لم يعد أحمد التويزي مجرد فاعل سياسي محلي، بل أصبح اسماً حاضراً في تدبير المؤسسات الترابية، وفاعلاً يمتلك تجربة في مستويين أساسيين من مستويات الحكامة المحلية: الجماعة والجهة.
خمس ولايات برلمانية.. تجربة متراكمة داخل المؤسسة التشريعية
إذا كان التدبير الترابي قد شكّل أحد أعمدة مسار أحمد التويزي، فإن البرلمان يمثل العمود الآخر في تجربته السياسية.
فقد راكم الرجل حضوراً برلمانياً امتد عبر ولايات تشريعية متعددة، وأصبح من الوجوه التي راكمت تجربة داخل المؤسسة التشريعية المغربية. ويُقدَّم اليوم باعتباره من البرلمانيين الذين بلغوا الولاية الخامسة، وهو ما يعكس طول حضوره في الحياة الانتخابية واستمرارية ارتباطه بالعمل البرلماني.
غير أن قيمة التجربة البرلمانية لا تُقاس بعدد الولايات وحده، بل بما تتيحه من معرفة بمساطر العمل التشريعي، وآليات الرقابة على العمل الحكومي، وطبيعة العلاقات بين الأغلبية والمعارضة، فضلاً عن القدرة على تدبير الاختلاف داخل الفرق والمكونات السياسية.
وفي هذا الإطار، برز أحمد التويزي داخل حزب الأصالة والمعاصرة من خلال توليه رئاسة الفريق النيابي للحزب خلال الولاية التشريعية 2021-2026، وهي مسؤولية تتجاوز الحضور الفردي للنائب إلى تدبير عمل مجموعة برلمانية، وتنسيق مواقفها، والمساهمة في صياغة توجهاتها داخل مجلس النواب.
فرئاسة فريق نيابي تضع صاحبها أمام تحديات متعددة، من بينها توحيد المواقف بشأن النصوص التشريعية، وتدبير العلاقة مع باقي الفرق، ومواكبة العمل الحكومي، فضلاً عن الدفاع عن اختيارات الحزب داخل المؤسسة التشريعية.
ومن هنا، فإن انتقال التويزي من المسؤوليات المحلية والجهوية إلى قيادة فريق برلماني يعكس تعدد مستويات تجربته السياسية، ويمنحه موقعاً متقدماً داخل التنظيم الحزبي وفي علاقته بالمؤسسة التشريعية.