يونس العراقي …ثقافة التميز.. حين تتحول التربية إلى فلسفة للحياة
احتضنت مدينة مراكش، صبيحة يوم السبت 26 شتنبر 2026، الدورة الثانية من «المقهى التربوي» الذي نظمته المدرسة الدولية العراقي الازدهار، في لقاء تربوي وفكري جمع نخبة من المهتمين بالشأن التعليمي والتربوي، وفتح مساحة للحوار حول معنى التميز، وكيف يمكن الانتقال به من مجرد شعار إلى ثقافة يومية وممارسة راسخة داخل المدرسة والأسرة والمجتمع.
واختارت هذه الدورة الاحتفاء بكتاب «ثقافة التميز» لمؤلفه يونس العراقي، وهو كتاب لا يقدم التميز باعتباره نتيجة نهائية أو سباقاً نحو التفوق، بقدر ما يقدمه باعتباره ثقافة متكاملة تبدأ من طريقة التفكير، وتمتد إلى السلوك والمبادرة والعلاقة مع الآخر. ومن خلال سبعة مبادئ يؤسس المؤلف لفلسفة تربوية تقوم على بناء الإنسان القادر على التعلم والتطور وصناعة القيمة.
وتزداد أهمية هذه التجربة بالنظر إلى المسار الشخصي لمؤلف الكتاب، الذي نشأ في أسرة ذات جذور تربوية، كان فيها الأب والأم من أسرة مهنة التربية والتعليم. وهو ما جعل الكتاب، في جانب منه، ثمرة تجربة عائلية ومهنية امتزج فيها ما هو نظري بما هو معاش، وما تعلمه المؤلف داخل البيت والمدرسة بما راكمه من خبرة وتأمل في أسئلة التربية والتميز.
ويضع العراقي ضمن مبادئه السبعة قيماً تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في آثارها، وفي مقدمتها المبادرة والاحترام. فالمبادرة، في فلسفة الكتاب، تعني ألا ينتظر الإنسان دائماً من يفتح له الطريق، بل أن يمتلك شجاعة الفعل واقتراح الحلول وتحمل المسؤولية. أما الاحترام، فيتجاوز حدود السلوك الفردي ليصبح أساساً للعلاقة التربوية والإنسانية، واحترام الآخر والاختلاف والمعرفة والعمل.
ولم يكن تقديم الكتاب خلال «المقهى التربوي» مجرد عرض لمضامينه، بل تحول إلى نقاش حي بين المؤلف والحضور، حيث تفاعل المشاركون مع أفكاره وأسئلته، واستحضروا تجاربهم وملاحظاتهم حول واقع المدرسة والتربية وتحديات بناء شخصية المتعلم. كما شكلت الأسئلة والمداخلات فرصة لاختبار أفكار الكتاب في ضوء التجربة اليومية للآباء والمربين والمهتمين بالشأن التعليمي.
وكان لافتاً أن النقاش لم يتوقف عند مفهوم النجاح الدراسي، بل اتسع ليشمل سؤالاً أعمق: أي إنسان نريد أن تصنع المدرسة؟ إنسان يحفظ ويجتاز الامتحانات فقط، أم إنسان يمتلك المبادرة والاحترام والقدرة على التفكير وتحمل المسؤولية وصناعة مستقبله؟
وفي هذا المعنى، نجح «المقهى التربوي» في تحويل الكتاب إلى مناسبة للتفكير الجماعي، وجعل من جلسة تقديمه وتوقيعه لحظة للتواصل بين المؤلف والقراء، وبين الأفكار والتجارب. كما عكس اللقاء رغبة متزايدة في جعل المؤسسة التعليمية فضاءً للحوار وإنتاج الأفكار، وليس فقط لتلقين المعارف.
«ثقافة التميز» ليست حكاية عن التفوق بقدر ما هي دعوة إلى إعادة تعريفه؛ فالتميز، كما يقدمه يونس العراقي، يبدأ من الإنسان، من مبادرته واحترامه للآخر، ومن قدرته على أن يجعل من التربية أسلوباً في الحياة لا مجرد مرحلة داخل المدرسة.



