محمد سليطين.. حين كانت المراوغة فناً ومراكش مصنعاً للنجوم

0

كلام الناس : نبيل الخافقي 

في زمنٍ كانت فيه كرة القدم تُلعب قبل أن تُصنَّع، وكان للموهبة صوتها الخاص، برز اسم محمد سليطين واحداً من أولئك اللاعبين الذين لم يكونوا يكتفون بمداعبة الكرة، بل كانوا يمنحونها شخصيةً وحكاية.

كان سليطين ينتمي إلى جيلٍ كانت فيه المراوغة فناً، والمهارة لغةً يفهمها الجمهور قبل أن تشرحها الأرقام. حين تصل الكرة إلى قدميه، كان المشهد يتغير؛ مدافعٌ ينتظر، وجمهورٌ يترقب، والكرة تبدو وكأنها تعرف مسبقاً إلى أين ستذهب.

لم تكن قيمته في السرعة وحدها، ولا في القدرة على تجاوز الخصم، وإنما في ذلك الحس الكروي الذي يجعل اللاعب يرى المساحة قبل أن تظهر، ويقرأ حركة المدافع قبل أن يقوم بها. تلك الموهبة التي لا تُدرَّس في المدارس، بل تولد مع صاحبها وتصقلها الأزقة والملاعب والتراب.

ومراكش، في تلك المرحلة، لم تكن مجرد مدينة تعشق كرة القدم؛ كانت مدرسة مفتوحة للمواهب. من أحيائها وملاعبها خرج لاعبون حملوا أحلام المدينة إلى ملاعب أكبر، وكان سليطين واحداً من الأسماء التي ارتبطت بذلك الزمن الجميل، حين كان الشغف هو الوقود الأول، وكانت الكرة تُلعب من أجل المتعة قبل كل شيء.

في ذاكرة من عاصروه، يبقى سليطين صورةً للاعب الذي كان يبحث عن المتعة في كل لمسة. لم تكن المراوغة عنده استعراضاً فارغاً، بل وسيلة لصناعة الفارق، وإرباك الخصم، وإشعال المدرجات. كان يعرف متى يحتفظ بالكرة، ومتى يمرر، ومتى يختار الحل الذي يجعل الجمهور يبتسم قبل أن يجعل المدافع يندم.

ولعل أجمل ما في حكاية محمد سليطين أنها تعيدنا إلى كرة القدم التي كادت تختفي ملامحها اليوم؛ كرة القدم التي كان فيها للاعب شخصية، وللموهبة بصمة، وللمراوغ هيبة، وللمدن ذاكرة كروية تختزن أسماء أبنائها جيلاً بعد جيل.

محمد سليطين ليس مجرد اسم من الماضي، بل جزء من ذاكرة كروية مراكشية تستحق أن تُروى.

ففي زمنٍ كانت فيه المراوغة فناً، كانت مراكش مصنعاً للنجوم، وكان أمثال سليطين يكتبون بأقدامهم فصولاً من الحكاية التي ما زالت الجماهير تتذكرها بشغف وحنين.

قد يعجبك ايضا