الرئيسية/ رأي / زووم : لماذا تدهورت وضعية النقابة الوطنية للتعليم؟

زووم : لماذا تدهورت وضعية النقابة الوطنية للتعليم؟

بقلم: حميد حنصالي

بعد وفاة الكاتب العام المرحوم عبد الرحمان شناف في شهر دجنبر 2005، تفجر النقاش داخل المكتب الوطني حول من سيخلف الراحل لمرحلة انتقالية في أفق المؤتمر الوطني التاسع المزمع عقده سنة 2006، وما كان ليطرح هذا النقاش لولا اعتذار الأخ الطيب منشد، بصفته النائب الأول للكاتب العام، وبحكم تحمله مسؤولية الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل، وكذا وضعه الصحي. وقد كانت المعارضة شديدة لمقترح ترشح عبد العزيز إوي لمنصب الكاتب العام، لدرجة أن أحد أعضاء المكتب الوطني، بناء على معطيات ووقائع دامغة، اعترض على المقترح قائلا “أنت لست أهلا للثقة لتقود النقابة الوطنية للتعليم” (ويمكننا عرض أسباب الاعتراض بتفصيل عند الاقتضاء).

·         مارس 2007 المؤتمر الوطني التاسع، محطة الإقصاء و تصفية الحسابات:

في ظل مخلفات أجواء تعويض الكاتب العام الراحل، وما ترتب عن تحديد مرشحي النقابة الوطنية للتعليم في اللائحة الفيدرالية الخاصة بانتخابات المأجورين للغرفة الثانية، انعقد المؤتمر الوطني التاسع. ورغم كل الجهود المبذولة من أجل إنجاح أشغاله، إلا أن نتائجه على مستوى انتخاب المجلس الوطني والمكتب الوطني دشنت لمرحلة جديدة أهم سماتها التوجه نحو أسلوب التحكم والإقصاء، وهذا يتجلى فيما يلي:

انتخاب أعضاء المجلس الوطني

فعوض أن تكون هذه العملية مؤطرة بنقاش جاد حول كيفية ضمان حضور الكفاءات المناضلة والأطر النقابية المتمرسة والطاقات الجديدة داخل هذا الجهاز التشريعي، وكيفية تدبير الاختلاف بين مكوناته، فإن التوجه الذي هيمن هو كيفية إبعاد المعارضين وإقصائهم، حيث تفنن عبد العزيز إوي (كمرشح للكتابة العامة) ومريديه في وضع الآلية الإقصائية لتصفية العديد من الأطر والكفاءات من عضوية المجلس الوطني وهي سابقة خطيرة واستئصاليه، لا تقف أبعادها عند اجتثاث مناضلين مسؤولين من الأجهزة النقابية، بل لتمهيد الطريق لإنجاح المهام المقبلة المضمرة والغير معلنة في أحكام القبضة والسيطرة على المنظمة أولا، واستكمال المهمة باستهداف الفيدرالية للتحكم في مستقبلها ثانيا, وبالفعل كانت النتيجة المخدومة هي إقصاء كل أعضاء المكتب الوطني المعارضين من صفة عضو المجلس الوطني، حتى لا تبقى لهم حظوظ تحمل المسؤولية من جديد. وتم ذلك أمام ذهول الجميع، وصمت الكل داخل القطاع وداخل المركزية، ليتم تمرير المؤامرة التي لم توقفها أصوات واحتجاجات بعض المسؤولين الفيدراليين وقطاع التعليم دون مواقف الأجهزة المسؤولة، سواء بالمكتب الوطني للتعليم أو المكتب المركزي الفيدرالي.

انتخاب المكتب الوطني:

رغم أن القانون الأساسي للنقابة الوطنية للتعليم ينص على أن المجلس الوطني ينتخب أعضاء المكتب الوطني، الذين يجتمعون لانتخاب الكاتب العام وتوزيع المهام فيما بينهم، فإن أول خرق سجل في أول دورة للمجلس الوطني هو انتخاب الكاتب العام من طرف المجلس، ثم بعد ذلك باقي أعضاء المكتب الوطني باقتراح من الكاتب العام المنتخب، ما نتج عنه تضخيم سلطة الكاتب العام وإضعاف دور باقي أعضاء المكتب الوطني، ليطرح السؤال المستفز تحت أي ضغط سمح بتنفيذ هذه الخطة، وهل استوعبنا حجم الخسارة؟. وكانت النتيجة هو فتح باب ولاءات وزبونية ضربت في الصميم قيم تنظيم نقابي ديمقراطي أريد له أن يفرغ من ثوابته وقيمه، ويصبح مجالا ملوثا بمسلكيات التملق والتزلف والتحلل من الموقف عند الاقتضاء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تمن المجلس الوطني نتائج ما طبخ في المؤتمر التاسع، وبذلك رسم خط الانحراف وفتح الباب أمام نكوص وتراجع النقابة الوطنية للتعليم، التي دخلت مجال العد العكسي في مسيرتها نحو ردة غير مسبوقة في تاريخها في زمن النخاسة النقابية في عهد عبد العزيز إوي وحوارييه !.

سنة 2008 بداية الانحراف النقابي

مباشرة بعد اجتماع المجلس الوطني الأول ظهرت مؤشرات الحلقية وتجاوز الجهاز وكذا القوانين، وغابت مبادئ التسيير الجماعي والديمقراطية الداخلي المبنية على المحاسبة الفردية والجماعية والنقد الذاتي، وأسلوب الإقناع والاقتناع، وهكذا تم تحويل النقابة من إطار جماهيري مناضل وديمقراطي، إلى غرفة عمليات لتحقيق أهداف شخصية ومآرب زبونية، وتلك هي بداية الانهيار النقابي التي تتجلى مظاهرها في الوقائع التالية:

على مستوى التعليم المدرسي

·         إسناد الكاتب العام للمهام الأساسية داخل المكتب الوطني في التنظيم والمالية والشؤون النقابية والإعلام لمريديه ليحكم قبضته على كل الملفات لتحقيق ما خطط له.

·         تغذية نزعة انغلاقية وعدائية داخل النقابة الوطنية للتعليم اتجاه المركزية الفيدرالية الديمقراطية للشغل تحت ادعاء فهم مغلوط ومخدوم للاستقلالية كمبدأ من مبادئ المركزية.

·         في شهر مارس من سنة 2009 نظم المكتب الجهوي للنقابة بمراكش الملتقى الجهوي للشباب المدرس وكان محوره هو مناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتعليم، ولهذا الغرض تم استدعاء عضو من المجلس الأعلى للتعليم، إلا أن الكاتب العام لم يرقه هذا الاستدعاء لأسباب غير معروفة، ترتب عنه إعفاء الكاتب الجهوي من مهامه وتنصيب مكتب جهوي ضعيف خرقا خارج الضوابط والمساطر القانونية.

·         في نفس السنة بادر المكتب الإقليمي للنقابة بالصويرة إلى تنظيم ملتقى إقليمي لفائدة 60 من الشباب المدرس. وقبل انطلاق النشاط بـ72 ساعة تدخل الكاتب لإلغائه. وعند استفسار المكتب الإقليمي عن سبب الإلغاء الغير المبرر، استصدر الكاتب العام قرارا بإعفاء المكتب الإقليمي من مهامه ونصب مكتبا إقليميا آخر ضدا على إرادة 150 منخرطا.

·         ورغم أن لجنة التحكيم قضت بلا شرعية قرارات المكتب الوطني، فإن الكاتب العام همش هذا التقرير بعدم عرضه على المجلس الوطني للبث فيه.

·         نتيجة لهذه الخروقات في الجانب التنظيمي بهذه الجهة ولضعف الأطر المنصبة في الأجهزة الإقليمية والجهوية فقدت النقابة الوطنية للتعليم مصداقيتها في الجهة ولم تحصل إلا على مقعد واحد بدل 10 خلال الاستحقاقات السابقة.

·         تجديد المكتب الجهوي لجهة سوس ماسة درعة دون حضور ثلاث مكاتب إقليمية (تنغير، زا?ورة ، وارزازات) وتغييب بعض أعضاء المجلس الوطني بالجهة الغير مرغوب فيهم.

·         إعفاء الكاتب الجهوي لجهة دكالة عبدة وتجميد عضويته بدون موجب قانون وبتدخل مباشر للكاتب العام الوطني.

·         حل المكتب الإقليمي بعمالة مديونة و إلحاقه بالمكتب الإقليمي لعمالة سيدي عثمان مولاي رشيد بدون سند قانوني ودون مداولات في المكتب الوطني أو استشارة مع المعنيين بالأمر.

·         إيقاف عملية توزيع المهام بين أعضاء المكتب الإقليمي المنتخب بعمالة بن مسيك بتدخل مباشر للكاتب العام الوطني.

·         مطالبة الكاتب الإقليمي للنقابة بتاونات، والذي انتخب بالمجلس الإداري بأكاديمية جهة تازة الحسيمة تاونات، بتقديم استقالته ليتسنى إسناد هذا المنصب للعضو المنافس من الجامعة الوطنية لموظفي التعليم.

·         حل المكتب الإقليمي بالخميسات وتدبير عملية تجديده بمقهى خارج القوانين والضوابط التنظيمية وبتوجيه من الكاتب الوطني

·         التدخل في عملية تجديد المكتب الإقليمي بالعيون (الصحراء) ومحاولة ترتيب الانقلاب على المسؤولين الغير مرغوب فيهم بتوزيع بطاقات الانخراط بالمجان وتحت إشراف عضو المكتب الوطني والكاتب العام

·         نفس الممارسات الرعناء والقفز على الأجهزة والقوانين في كل من جهات الدار البيضاء والرباط ومكناس… أدت إلى  انتكاسة عارمة في الانتخابات الجهوية للجن الثنائية، إذ فقدت تمثيليتها للفئات الكبرى عدديا ونزول النقابة الوطنية للتعليم إلى المرتبة الثانية في التمثيلية.

·         وعلى مستوى انتخابات اللجان الثنائية المركزية، وبعملية حسابية يتبين أن النقابة الوطنية للتعليم (ف.د.ش) قد فقدت تمثيليتها للفئات الكبرى (أساتذة الابتدائي وأساتذة الإعدادي وأساتذة الثانوي) علاوة على فئة المفتشين. وللتغطية على هذه الحقيقة المرة في تاريخ (ن.و.ت) التجأ  الكاتب العام للتنسيق مع الجامعة الوطنية لموظفي التعليم، آملا أن يحصل بدعمها على  تمثيلية لإحدى هذه الفئات، وقبل بتقديم مرشحين نوابا تحت مظلة هذه النقابة التي لا نقاسمها لا المبادئ ولا التوجهات بالرغم من تحذير المجلس الوطني لهذا التنسيق، ولتفادي أي نقاش في هذا القرار، تدخل الكاتب العام ليعلن بأن هذا القرار هو قرار للمكتب الوطني وليس قرارا للمجلس الوطني، وبالتالي تبقى فيه المسؤولية على المكتب الوطني، الذي يمكن أن يعرض للمحاسبة في حالة إخفاقه في التقدير، وهذا وجه من أوجه المراوغة والالتفاف على صلاحيات الجهاز التقريري.

.

مــــا الــعــمــــــل؟

إن استعراض كل هذه الوقائع واستيعاب دلالاتها وأبعادها التنظيمية والمبدئية، لمن شأنه أن يساعد على فهم طبيعة عقلية القائد النقابي في تدبير الشأن النقابي في شقيه (التنظيمي والمالي) وهو التوجه المبني على تحقيق طموحات فردية ووعي مغلوط للاستحواذ على النقابة الوطنية للتعليم بدون أطرها وكفاءاتها وخبراتها المتعددة من مختلف ربوع الوطن، مما يؤدي إلى تحويل النقابة إلى ما يشبه “الأصل التجاري”، يسعى المستفيدون منه إلى استعمال وشرعنة كل الوسائل والأساليب، والتنكر للتاريخ النضالي، وللقيم والمبادئ التي أسس عليها صرح منظمتنا.

إن سؤال ما العمل؟ هو سؤال مطروح على كل المناضلات و المناضلين، وعلى كل الذين ساهموا في بناء ن.و.ت كما هو مطروح على المهتمين بالشأن النقابي وبالحركة النقابية المغربية، ومما لا شك فيه، أن الجواب يجد صداه في خضم حركية المشهد النقابي المغربي وحركية القوى الديمقراطية والجماهيرية والحداثية المنادية بالتغيير والمبدعة في أساليبها النضالية والتنظيمية، والواعية بتحديات البناء، وبتحديات مخلفات واقع الشتات والانقسامات المولدة للانتهازية والوصولية والتيئيس. 

إن الهدف من هذه الورقة المتواضعة، هو تفجير النقاش من أجل استنهاض الطاقات الكفيلة باسترجاع الثقة لدى عموم المناضلات والمناضلين، في إمكانية التغيير ورد الاعتبار للنضال النقابي الديمقراطي، وتحقيق وحدة وقوة الحركة النقابية التعليمية والعمالية. كما أن الهدف من هذه الورقة هو دق ناقوس الخطر أمام استمرار هذه الوضع المأزوم ودعوة كل الغيورين إلى خلق شروط نهضة نقابية حقيقية تعيد للعمل النقابي مصداقيته التنظيمية وتقطع مع واقع الشتات والتشردم، مقابل تشجيع المبادرات الوحدوية الكفيلة بجمع شمل الطاقات والكفاءات وقطع الطريق عن كل المحاولات الرامية إلى التوظيف الضيق والانتهازي للحركة النقابية والعمالية المغربية.

وليكون الوضوح قاعدة انطلاقنا نربط الخلاصات التي سجلناها في سياق تشخيصنا للواقع بمختلف أوجهه ومستوياته باستحضارنا لبديل عملي يلتقي مع توجهنا المتمسك بنقابة قطاعية قوية في إطار مركزية تشكل درعنا الاجتماعي في الصراع العام من أجل حقوق الشغيلة المغربية، وداخل المجتمع ككل من أجل التقدم في إنجاز مهام التحديث والدمقرطة، نقابة قطاعية قوية مدخلنا للوصول إليها الدفع القوي والسريع في اتجاه توحيد الشغيلة التعليمية داخل إطار موحد، ولنجعل توحيد الإطار النقابي التعليمي أولية الأولويات لأنه كفيل بتحقيق كل ما نطرحه من مطالب وما تتطلع إليه الشغيلة التعليمية من انتظارات، وهي مهمة جزئية قطاعية ترتبط بالمشروع الأكبر الداعي لوحدة فيدرالية كونفدرالية نراها إمكانية حقيقية وواقعية وعملية من خلالها تستعيد الشغيلة المغربية والحركة الديمقراطية عموما أهم رافعة لمواجهة تحديات ظرفية ومرحلة جد دقيقة لا نرى أفقا آخر بإمكانه أن ينصف هذا الطموح. بل نقول ونحذر من أن تعثر مبادرة التوحيد من شأنه الإجهاز على ما تبقى من نفس الصمود لدى المناضلين. ولذلك نختصر القول وندعو لتدشين الوحدة النقابية المنشودة كاختيار وضرورة تدفعنا التحديات والانتظارات لإنجازها اليوم قبل الغد.

   
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن رأي أصحابها, وليس عن رأي "صباح مراكش"
التعليقات

راديو صباح مراكش|Radio Sabah Marrakech
صباح مراكش على الفايسبوك