الرئيسية/ رأي / ماكتبه هاني نديم عن المراكشي ياسين عدنان: حياة تتوزع بين الكتابة والصحافة

ماكتبه هاني نديم عن المراكشي ياسين عدنان: حياة تتوزع بين الكتابة والصحافة

*ملامح * يعدها ويكتبها هاني نديم... "المُرابط في الثقافة العربية"

نلتقي دوماً في أماكن غريبة غير مخططٍ لها، وكلما التقينا أقرأ على وجهه كل تراكم مدينة مراكش، أرض الله، وأرى به ملامح أجداده المرابطين وهم يبنون البيوت الحمر لبنةً لبنة ويصلونها بالأندلس بصرخة خيل واحدةً. إنه ياسين عدنان هذا المزيج المدهش من سمات الحضارة الشرقية والغربية معاً، ياسين عدنان الذي أرشحه دوماً ليكون أحد سفراء أدبائنا العرب للغرب، بمقوماته الفريدة وصفاته العديدة.بين الكتابة والصحافة  تتوزع حياة ياسين عدنان، مثلي تماماً، لهذا أفهم جيداً مأزق الموازنة بين تلك العلاقة الجدلية، السادية، سألته عن ذلك الأمر فأجاب: في الكتابة الأدبية يبحث الواحد منا عن نصه الخاص. يحاول الابتعاد قدر الإمكان عن العالم والناس والوجدان العام ليحفر عميقا في ذاته. كل الأدباء ينشدون الفرادة، وكل يحاول الانفلات بطريقته. وأنا ألعب هذه اللعبة منذ بداية التسعينيات، وأحاول مطاردة غزلان روحي عبر القصيدة والقصة القصيرة على امتداد ثماني إصدارات أدبية نشرتها لحد الآن. لكن في الكتابة الصحافية، خصوصا في مجال الصحافة الثقافية يصير الوضع مختلفا. أنت تكتب لتتواصل مع القراء. لتدافع عن حساسيتك الأدبية ورؤيتك الفنية وقناعتك الفكرية. لهذا يصير الذهاب  إلى القارئ والرغبة في التواصل معه واستقطابه وإقناعه والتأثير عليه هدفا للكتابة. لكن الدورين برأيي يتكاملان في سياقنا العربي الراهن. فالمسألة الثقافية مازالت مطروحة بحدة عندنا ما دمنا نعيش في مجتمعات لا تقرأ ولا تستهلك المادة الثقافية والفنية بشكل عام. لهذا علينا أن نناضل عبر الصحافة والإعلام للدفاع عن الأدب والفن والترافع لصالحهما عبر الكتابة الصحافية. نحن لسنا في الغرب، حيث يستمتع الأديب والفنان بهامشه المقدس، ينتج بحرية ويتفرغ تماما للإبداع.عدنان الممتلئ بالمدن والسفر كتب ديوانه دفتر العبور، كنص طويل كتب في عدة مطارات، غلافه مرسوم ككراسة أطفال واسمه يقول إنه وثيقة "باسبورت"  حفزني ذلك على قراءة تلك المدن بعيني هذا الطفل الذي يقول: المكان محرك قوي للكتاب. والقصيدة العربية، كانت منذ البداية، متجذرة في المكان متفاعلة معه. انظر الشعر الجاهلي مثلا. امرؤ القيس في معلقته الخالدة (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ/ بسِقْطِ اللِّوى بين الدَّخُول فحَوْمَل / فتُوضِحَ فالمِقْراة لم يعْفُ رسمُها / لما نسجَتْها من جنوبٍ وشمألِ ) فذكرى الحبيب تقترن لدى الشاعر بذكرى المنزل، كما أن الشاعر يسوق أربعة مواقع في بيتين فقط: الدَّخول وحومل وتوضِح والمِقراة. طبعا سيأتي ابن الملوح فيما بعد ليؤكد أنه لا يمكن فصل الإنسان عن المكان في الشعر العربي: (أمر على الديار ديار ليلى / أقبل ذا الجدار وذا الجدارا / وما حُبُّ الديار شغفن قلبي / ولكن حبُّ من سكن الديارا). لهذا في دفتر العابر لم أكن أوثق لمدن وعواصم ومطارات ومحطات وموانئ وغابات وسواحل فقط، بل كنت أبحث عن اللقاء مع الآخر. هذا الغرب الذي نعيش سوء تفاهم حضاري مزمن معه في السياسة والإعلام كيف أخطو باتجاهه بحرية وبدون أحكام مسبقة عبر الشعر، وكيف أخلق معه لحظة ينتصر فيها الإنسان والحوار الانساني من خلال القصيدة. طبعا الغرب كلمة فضفاضة، لهذا أحوله في القصيدة إلى بشر من لحم ودم وأحاسيس: شرطية في مطار أمريكي،مضيفة طيران بريطانية في السماء الممتدة ما بين مطاري مراكش وهيثرو، رفيقة رحلة سويدية في قطار غوتنبورغ، قس متوجس من الكتاب العربي بين يدي في رحلة مرتجلة بين رُبى الجنوب الفرنسي، وعازفة كمان ضاجة بالحياة من أقصى الشمال الشرقي لأمريكا، وهكذا.. حينما أستعيد كل هذه الأمكنة  في "دفتر العابر" فلكي أجذر قصيدتي في الأرض: أرض الله وأرض الناس وبالتالي أرض الشعر الصلبة، وأيضا لكي أؤكد أن المكان هو الوجه الآخر للإنسان. والإنسان خارج مكانه يصير مجرد فرقعة لغوية، مجرد شعار ومحض تجريد. وأنا اخترت في "دفتر العابر" أن تكون قصيدتي بنت التجربة وبنت الحياة وثمرة حركة الشاعر الحرة في الجغرافيا.

حفيد يوسف بن تاشفين، مثله، مقاتلٌ وجريء، لقد أُوقف برنامجه التلفزيوني"مشارف"،  والذي يشهد نجاحاً عربياً كبيراً، أكثر من مرة ومنعت حلقات كاملة منه، كيف يرى الأمر ياسين عدنان، يقول: "مشارف لحظة حوار أخرى. محاولة لإعادة الاعتبار للسؤال الثقافي والفكري في زمن صار الأصل فيه هو المصادرة على الأسئلة بالأجوبة المُلفقة المتسرعة.أحاول أن أؤمّن الحد الأدنى من الجدية في الإعداد والتقديم. أحرص على قراءة مجموع إنتاج الضيف أو أهم أعماله وبعض ما كُتِب عن تجربته قبل التسجيل. وخلال الجلسة أحرص على طرح الأسئلة الجدية والحارقة. لا أختلق الأسئلة أو أفتعلها هكذا لكي أملأ الفراغ. بل أحرص على استنباطها من صميم اهتمامات الضيف، وأحرص على أن تعكس حدا أدنى من القلق الفكري والفضول المعرفي. أبحث عن المفاصل الدالة والمداخل المثيرة التي تتيح للضيف فرصة إبراز معارفه وأفكاره وحساسيته الأدبية. استضفنا لحد الآن في البرنامج ما يناهز 300 أديب ومثقف مغربي وعربي بينهم بعض المستعربين الأجانب. أحيانا يتم التعامل مع القضايا التي يطرحها البرنامج بحساسية، لكنني أحاول تجاوز هذه العراقيل بمرونة لكن دون تقديم أية تنازلات. أعتبر أن الاستمرارية في حد ذاتها مكسب.   في الماضي، لحق بالإبداع المغاربي شيءٌ من الظلم والتجاهل بالنسبة للمشرق العربي، وكان هنالك قطيعة بين الطرفين العربيين، تجاوزتها اليوم وسائل الاتصال وثورة المعلومات، وفي ذلك يقول ياسين: "علاقة المغرب بالمشرق الثقافي معقدة ملتبسة. حينما التحق جيلنا بالساحة الأدبية في المغرب بداية التسعينات، وجدنا السبعينيين قد أرسوا وكرسوا مجموعة من البنيات والمؤسسات الثقافية القوية: اتحاد كتاب المغرب، ثم بعض المجلات والملاحق الثقافية. كانوا قد بدؤوا يتحدثون عن أدب وفكر مغربيين مستقلين عن أية تبعية للمشرق. لكن لأننا كنا أصواتا منفلتة حينها فقد وجدنا صعوبة في تحقيق ذواتنا الأدبية من خلال المؤسسة الثقافية الوطنية. لهذا كان المشرق بالنسبة لشعراء جيلي على الأقل ملاذا حقيقيا. وهكذا نشرت في "الآداب"البيروتية و"المدى" السورية قبل عقد من أول نشر لي في "آفاق" مجلة اتحاد كتاب المغرب. أيضا صدرت أغلب كتبي في دار المدى السورية والنهضة اللبنانية وميريت والعين المصريتين. حينما تكتب باللغة العربية في المغرب أو الجزائر أو تونس يصير مجالك الحيوي والطبيعي هو الفضاء العربي. وأتصور أن الظروف مواتية الآن لتحقيق المزيد من التفاعل ما بين المشارقة والمغاربة كتابا مبدعين وناشرين. لهذا أحلم شخصيا بسماء ثقافية مفتوحة نتفاعل داخلها جميعا. وهذا متاح اليوم إلكترونيا وفايسبوكيا، ومن خلال دورة المعارض العربية التي بدأت تتقوى وتتيح للقارئ العربي في مختلف الاقطار فرصة تلقي أهم العناوين العربية من المشرق والمغرب على السواء. فقط نحتاج دعماحكوميا أقوى لحركية التوزيع وللمؤسسات المعنية بتوزيع الكتاب لنضمن للمطبوعات العربية تنقلا سلسا وتوزيعا أفضل داخل المكتبات العربية.طبعا كان بالإمكان أن أبدأ جوابي على سؤالك من منطقة أخرى، أتحدث عن المركزية المشرقية وظلم المشرق للمغرب واستصغار المشارقة لشأن المغاربة، لكن أخشى أن هذا الكلام القديم المكرور قد يدغدغ مشاعر الماضي لكنه أبدا لا يساعد على استشراف المستقبل. قال لي، تعلمت من "هولدرلين" محبة الأنهار، وبسؤالك عن محمد شكري، الذي تحبّ، فقد فاته أن يكون ملاكاً، ولا تسألني عن مدينة آسفي، مدينتي، إنها مدينة الأسف الكبير... عدنان ياسين الذي يكتب نصاً نثرياً بكامل شروط قصيدة النثر التي يجهلها الكثير ممن يكتبونها، يقول أن الشيخوخة لم تنل من الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولعل سبب نجاح حفيد المرابطين هذا هو مزيجه ومزجه بين الشرق والغرب، وبين التراث والمستقبل، وبين الشعر والنثر، وجديته المفرطة في تقديم الأدب والثقافة وسط عالم كبير من الدخان والدمار.

 

   
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن رأي أصحابها, وليس عن رأي "صباح مراكش"
التعليقات

راديو صباح مراكش|Radio Sabah Marrakech
صباح مراكش على الفايسبوك