العرض السياسي لنزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال في أشغال اللجنة المركزية/دورة دجنبر 2018

يسعدني أن أفتتح أشغال أولِّ دورةٍ للجنة المركزية التي حرصنا على أن تنعقدَ في آجالها القانونية،  والتي تأتي مباشرة بعد انتخاب أعضاء اللجنة المركزية في الدورة الأخيرة للمجلس الوطني. وبانعقاد اللجنة المركزية اليوم نكون قد استكملنا تجديد مختلف الهياكل والهيئات التنظيمية المركزية بعد استحقاقات المؤتمر العام السابع عشر للحزب.

وبهذه المناسبة، أهنئ الأخوات والإخوة الذين حظوا بثقة المناضلات والمناضلين لعضوية اللجنة المركزية، والذين هم مدعوون إلى العمل يدا في يد، والانصهار الخلاق في أشغال اللجان الموضوعاتية للدراسات والأبحاث، مع أخواتهم وإخوانهم من “الأعضاء ذوي الصفة” من مختلف الهيئات والتنظيمات المركزية والقطاعية والترابية.

 ذلك، أن اللجنة المركزية بهذه التعددية التنظيمية والقطاعية والترابية، التي تستوعب مختلف الحساسيات والتنويعات، ينبغي أن تتضافرَ جهودُنا لكي نجعلَ منها آليةً وسطى بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني، في إغناء قوة الاقتراح، وإنضاج المواقف والاختيارات، وتوسيع دائرة التفكير والنقاش والتشاور؛ وكلُّ ذلك في إطار المبادئ والقيم الاستقلالية والمرجعية التعادلية، التي تنبعُ من روح الأرض والتربة المغربية، وتعودُ إليها عَوْداً مُتجددا، وهو ما يُضفي دائما صفةَ التجذُّر والتجدُّد على المشروع المجتمعي الوطني الذي يدافع عنه حزب الاستقلال، بما يجعل الوطن يتسع للجميع، ويَضمنُ شروط العيش الكريم والارتقاء الاجتماعي للجميع.

أخواتي وإخواني أعضاء اللجنة المركزية

إن جدول أعمال هذه الدورة، وطبقا لمقتضيات النظامين الأساسي والداخلي، سَيَنكبُّ بالأساس على نِقاط تنظيمية وهيكلية تتعلق بوضع النظام الداخلي للجنة المركزية في أفق المصادقة عليه لاحقا من قبل المجلس الوطني، وكذا تشكيل اللجان الدائمة للدراسات والأبحاث التي نُعول عليها في رفع وتيرة الاشتغال، وجودة الإنتاج، والجرأة الإيجابية والبناءة في تناول القضايا والإشكاليات والانتظارات التي يُعبر عنها المجتمع المغربي، بما في ذلك انشغالات مغاربة العالم.

وبما أنه في مقدمة اللجان المتفرعة عن اللجنة المركزية، هناك لجنة مكلفة بالوحدة الترابية، واليقظة الاستراتيجية في تتبع مستجداتها ومواجهة مناورات الخصوم الذين يتعيشون من استدامة هذا النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، تتبعنا باهتمام كبير مشاركة بلادنا بدعوة من المبعوث الشخصي للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، السيد هورست كوهلر في المائدة المستديرة التي احتضنتها جنيف  يومي 5 و 6 دجنبر 2018 بحضور جميع الأطراف المعنية بما فيها الجارة الجزائر الشقيقة.

وقد ثمنا على مستوى اللجنة التنفيذية، بهذه المناسبة، تكريس المنهجية الجديدة في إشراك منتخبي الأقاليم الجنوبية في المباحثات حول الصحراء المغربية، وتوسيع المشاركة لأول مرة لتشمل امرأة منتخبة  وفاعلة جمعوية، وهو ما يتجاوب مع توصية مجلس الأمن في قراره الأخير في هذا الشأن. كما أعربنا عن اعتزازنا بالتمثيلية الوازنة للحزب ضمن الوفد المغربي، من خلال الأخوين سيدي حمدي ولد الرشيد رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، و ينجا الخطاط رئيس جهة الداخلة وادي الذهب.

ونؤكد مجددا على أمل في أن يشكل هذا اللقاء، وكذا الموعد  المقبل في بداية سنة 2019، تدشينا لمسلسل جديد بوتيرة أسرع في تسوية هذا النزاع المفتعل، وذلك على اعتبار أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو أقصى ما يمكن أن تقدمه بلادنا من أجل إيجاد حل سياسي دائم وعملي ومتوافق عليه.

 

 

 

أخواتي، إخواني

 

وكما تعلمون، لقد صادق المجلس الوطني في دورته الأخيرة على مُخرجات التصور الاستقلالي التعادلي حول النموذج التنموي الجديد، بحيثُ تداولنا في القناعات والمداخل والقطائع ومسالك العمل التي نَعتبرُها مِفصليةً من أجل تجاوز الاختلالات والنواقص المتراكمة والمُتراكبة، والتي حَوَّلَتْ النموذج الحالي إلى مُعَطِّل للدينامية التنموية، ومُنْتِج للفوارق الاجتماعية والمجالية. ولا بد للجنة المركزية، وما سينبثق عنها من لجان دراسية وموضوعاتية، من أن تستحضر في أعمالها القادمة هذا التصور التعادلي للنموذج، وأن تساهم من خلالها في تطوير البعد الإجرائي والتوطين الترابي الملائم للعديد من التوجهات والتدابير التي يقترحها. 

وفي هذا السياق، نؤكد مرة أخرى على الأهمية القصوى للشق السياسي في تصور حزبنا للنموذج التنموي، وذلك باعتباره مدخلا لا مَحيدَ عنه في الانتقال إلى النموذج الجديد الذي نتطلع إليه؛ فلا صعودٌ اقتصادي متوازن، ولا تقدمٌ اجتماعي تضامني، ما لم يتواصل الإصلاحُ السياسي والمؤسساتي، وما لم نُغادر المنطقة الرمادية التي تستنزفُ رصيد المكتسبات، والمُضي نحو ملء السقف الإصلاحي المتقدم الذي يُتيحُه الدستور.

ومن نافلة القول التذكير بأن الديناميات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها بلادُنا مع بداية الألفية الثالثة، قد وجدت القوة الدافعة والداعمة لها في أجواء الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي، والمفهوم الجديد للسلطة، والمصالحات الحقوقية والثقافية والمجتمعية والترابية، ومناخ السلم الاجتماعي، وغيرها من الاختيارات والإصلاحات والمبادرات التي شكلت أبرزَ مقوماتِ الاستقرار في ظل العهد الجديد.

أخواتي وإخواني

إن الخيار الديمقراطي، الذي كرسه الدستور ضمن الثوابت غير القابلة للمراجعة إلى جانب الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية؛ هو في تقديرنا قرينٌ للتنمية، وهما معا يضمنان لبعضهما البعض: المشروعية والمصداقية والاستدامة. وكما يقول الزعيم علال الفاسي:

” إن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كلٌّ لا يتجزأ، فلا مجال لتأجيل الحريات السياسية للحصول على الحريات الاقتصادية … لأن الحريات متضامنة فيما بينها، وهي إما أن تكون كلَّها أو لا تكون”.

 

ذلك أن المواطن وهو يسعى إلى الاستفادة من ثمار الثروة بإنصاف واستحقاق، من خلال الخدمات الاجتماعية ذات الجودة، والشغل والسكن اللائقين، والكرامة والرفاه في المعيش اليومي، فإن الديمقراطية، في أبعادها التمثيلية والمواطنة والتشاركية، هي وسيلتُهُ لإنفاذ القانون، وفعلية الحقوق، (وهي وسيلتُهُ) للمراقبة الشعبية والمحاسبة، والمشاركة في تغيير السياسات عندما لا تفي هذه الأخيرة بوعودها والتزاماتها.

 

وفي هذا التوجه، من الضروري العمل على إعادة الثقة في الفاعل الحزبي والفعل السياسي والديمقراطية المحلية، والمؤسسات المنتخبة وطنيا وترابيا. وهذا يقتضي إعادة تأهيل الحقل السياسي وخصوصا الأحزاب السياسية، حتى تتمكن هذه الأخيرة في إطار التعددية الطبيعية التي يضمنُها الدستور ويُبَرِّرُها المجتمع، من القيام بدورها كاملا في تأطير وتوجيه المواطن، وتبني مَظالمه ومطالبه المشروعة، والوساطة مع المجتمع في استباق وتدبير الأزمات، وبلورة الحلول واقتراح البدائل، والترافع عن القضايا الوطنية في المنتديات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية للمملكة.

وبهذه المناسبة نثمن عاليا الحرص الذي ما فتئ يوليه جلالة الملك محمد السادس حفظه لمواكبة الهيآت السياسية، وتحفيزها على تجديد أساليب عملها، كما جاء في خطابه السامي عند افتتاح السنة التشريعية الجديدة، في 12 أكتوبر الماضي، حيث دعا جلالتٌه الحكومة إلى الرفع من الدعم العمومي للأحزاب، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها، في مجالات التفكير والتحليل والابتكار.

فهل شرعت الحكومة في تفعيل التوجيهات الملكية السامية في هذا الصدد ؟ وهل يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2019 ما يفيد الرفع من الدعم الموجه إلى الهيئات السياسية ؟

لا شك في أن الجواب لن يختلفَ في شيئ عن التردد المعتاد للحكومة، وتسويفها المزمن في الوفاء بنواياها التزاماتها المعلنة حول الحوار الاجتماعي، واستراتيجية التكوين والتشغيل، وتسقيف أسعار المحروقات…وغيرها.

وبهذه المناسبة، ندعو الحكومة إلى رفع أجور الموظفين قبل المصادقة النهائية على مشروع قانون المالية 2019 للحد من التدهور المتفاقم للقدرة الشرائية، وذلك كمحطة أولى لتحسين دخل جميع الشغالين وعموم المواطنين، الذي ينبغي أن يتم في إطار تفاوضي داخل الحوار الاجتماعي.

ونُذَكّرُ هنا السيد رئيس الحكومة بالوعد الذي التزم به أمامنا عندما قدمنا له مذكرة فريقي الحزب بالبرلمان حول حماية القدرة الشرائية ودعم التشغيل، حيث طلب إرجاء التجاوب مع المطالب المشروعة والملحة التي عبرنا عنها إلى مشروع مالية 2019. 

 

أيتها الأخوات، أيها الإخوة

ثمة، اليوم، من يشكك في جدوى المشاركة المواطنة، وفي أدوار ومصداقية الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة للدفاع والترافع والتجاوب مع مطالب المواطنات والمواطنين.

 وهناك توجُّهٌ عالمي له تداعياتُه وفعالياته في بلادنا، بحيث يَدفعُ في اتجاه استبدال هذه المنظومة المؤسساتية بكاملها التي يكرسها الدستور بفضل نضالات القوى الوطنية والديمقراطية:

– إما بخيار “النجاعة” الذي يدبر الشأن العام على غرار حكامة المقاولات الكبرى بالارتكاز على النتائج ومؤشرات الإنجاز وتوازنات الربح والخسارة، من منطلق أن الاقتصاد هو الحل،

– أو بخيار التعبيرات المباشرة التي تجد في منصات التواصل الاجتماعي وسيطا جديدا للاحتجاج والتجييش والشعبوية في استنفار الرأي العام، والضغط على دوائر صناعة القرار السياسي، والدفع أحيانا نحو اختيارات نكوصية أو مضادة للديمقراطية ذاتها.

وتُبين التجارب الدولية، وخاصة ما تعيشه العديد من الدول في الآونة الأخيرة، بما فيها الديمقراطيات العتيدة، أن هذين التوجهين يشكلان خطرا على استقرار البلدان والعيش المشترك والتماسك المجتمعي، وأنه لا مناص من تقوية الأحزاب الديمقراطية والوسائط الاجتماعية والمدنية ودور المؤسسات، لضمان الاستقرار والنمو المشترك والارتقاء للجميع.

لا بد للأحزاب، من جهة أخرى، من ممارسة فضيلة النقد الذاتي البناء لتحسين وتجويد تدخلاتها في مواكبة حاجيات المجتمع التي تتطور بسرعة كبيرة وتزداد تعقيدا. ولا بد من إعادة المصداقية للعمل السياسي من خلال ترسيخ ثقافة الالتزام بالتعهدات وربط القول بالفعل، واقتران المسؤولية بالمحاسبة، في إطار الصلاحيات التي يخولها الدستور للفاعلين، وعلى الجميع أن يلعب دوره كاملا، كما جاء في الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأخيرة.

وفي هذا الصدد، هناك مسؤولية للنخب في تأهيل الخطاب والممارسة السياسيين. لا يمكن للنخب أن تعتزل أو أن تظل في موقع الملاحظ أو المتفرج الذي ينتظر المآلات والنتائج دون أن يساهم في صنعها. كما أن المشاركة لا يعني فقط الانتقاد والتعبير عن الاستياء، بل لا بد أن يقترن الوعي النقدي لدى النخب بانخراطها، وباضطلاعها بدورها في التوجيه، وفي حسن الاختيار، وفي الإنتاج والتطوير والابداع،  وفي روح المواجهة والتحدي، دون استسلام، التي تؤشر على أن الأفضلَ ممكنٌ تحقيقُهُ، و أَنَّ الأسوأَ يُمكنُ تفاديه. وهذا هو المطلوب من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلادنا.

 

 

حضرات الأخوات والإخوة

 

لقد قدمنا ضمن تصور حزبنا للنموذج التنموي الجديد منظومةً متجانسة من التوجهات والإجراءات التي من شأنها إعادة الثقة في الفعل والفاعل السياسيَيْن في مختلف مستويات تواجده وتدخله، سواء تعلق الأمر بالجماعات الترابية أو البرلمان أو الحكومة. وفي سياق هذا التصور، ندعو مختلف الفرقاء السياسيين إلى إعطاء دينامية جديدة للديمقراطية التمثيلية، من خلال:

  • تقوية الرابط السياسي الاجتماعي ( السوسيو-سياسي) بين المنتخب والمواطن، لا سيما على مستوى القرب الترابي وتبني المطالب المشروعة للساكنة، وذلك بما يتجاوز منطق الولاءات والانتماءات الضيقة، وبما يستثمر الممارسات الجيدة للرأسمال الاجتماعي فيما يتعلق بالتضامن والتآزر والإحسان، وإعطاء الأولوية للفئات المعوزة؛
  • اعتماد براديغم جديد للممارسة السياسية يرتكز على التفاعل والترافع، والتفكير والاقتراح الذي يجد امتدادَه الطبيعي في الفعل والعمل؛
  • ترسيخ نماذج أخلاقية في الممارسة السياسية تعيد الاعتبار لقيم “النضال ” و”العمل التطوعي” و”المبادرة المواطنة” في المجتمع، باعتبارها قيما للمشاركة والعطاء والمساهمة في خدمة الصالح العام؛
  • اعتماد ميثاق وطني للمنتخب وللسلوك والممارسة الانتدابية، ويقوم على ثقافة المصلحة العامة، والوفاء بالالتزامات الواردة في البرامج الانتخابية، وحضور ترابي عبر فضاءات للتواصل واستقبال المواطنين، واقتران المسؤولية بالمحاسبة؛
  • مراجعة المنظومة الانتخابية بما يحقق التلاؤم والربط بين التمثيلية الانتخابية والمجتمع في تحولاته؛ وبما يسمح بتوسيع قاعدة التمثيلية المجتمعية في المؤسسات؛
  • تجديد وتوسيع قاعدة النخب السياسية بإفساح المجال أمام شرعية نضالية جديدة قادرة على تجاوز أزمة العرض النضالي الحالي، وذلك من خلال إطلاق حوار وطني للمصالحة بين مختلف مكونات النخبة السياسية لتجاوز التقاطبات بين السياسي والتكنوقراط، وبين الاقتصادي والسياسي، وبين المناضلين الحزبيين والأعيان الترابيين…) ؛
  • اعتبار مغاربة العالم الجهة رقم 13 وتقسيمها إلى دوائر انتخابية دولية، وذلك على مستوى مجلس المستشارين؛
  • مراجعة القانون التنظيمي للأحزاب، لا سيما فيما يتعلق بتمويل الحياة السياسية باعتماد مزيد من الشفافية، مع تعبئة الإمكانيات الضرورية وتنويع مصادرها لكي تواكب التطورات وتحصن الفعل السياسي؛
  • وهنا، يتعين إعادة النظر في الدعم العمومي الذي يجب أن يتوجه أساسا إلى تعزيز الوظيفة التأطيرية والقوة الاقتراحية للأحزاب السياسية وتعزيز مكانة المعارضة، عوض حصر الدعم فقط في تمويل عقد مؤتمرات الأحزاب، أو في ارتباط بنتائج الاستحقاقات الانتخابية.

أيتها الأخوات أيها الإخوة

إن هذه الدينامية الجديدة التي نتطلع إليها بخصوص آليات الديمقراطية التمثيلية، تبقى مشروطةً من جهة أخرى، بتحديد مسؤوليات المؤسسات المنتخبة لضمان نجاعتها وتسهيل استيعاب أدوارها بالنسبة للمواطن، وذلك من خلال:

  • اعتماد إطار قانوني خاص وملائم في شكل مدونة للتصدي لتنازع المصالح بأشكاله وتقاطعاته المختلفة، مع تقليص ما أمكن تراكم المهام والانتدابات في مختلف مستوياتها ( الحكومة/ البرلمان / الجهوي / الإقليمي / المحلي/ الغرف المهنية…) ؛
  • تقليص المدة الزمنية بين لحظة اتخاذ القرار السياسي ولحظة أجرأته وتطبيقه، مما يقوى مصداقية الفعل السياسي والتمثيلي؛
  • لا يمكن كذلك إعادة الاعتبار لمؤسسات الديمقراطية التمثيلية في إدراك المواطن، وإخضاعها للمساءلة وتقديم الحساب، دون تسهيل مقروئية الهيكلة الحكومية ومسؤوليات القطاعات الوزارية، التي ينبغي أن تكون محددةً في إطار القانون التنظيمي للحكومة، وذلك بما يُعقلن تشكيلة الوزراء والقطاعات الحكومية، ويَحُد من تداخل الاختصاصات الذي يحول دون إعمال مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛
  • لا بد كذلك من التوضيح والتمييز الإجرائي بين ما يدخل في مجال التشريع وما هو تنظيمي من اختصاص السلطة التنفيذية؛
  • العمل على تجويد وتسريع الأداء التشريعي لكي يكون له وقع إيجابي على المعيش اليومي للمواطن، وذلك من خلال:
  • تقوية الأمن والاستقرار القانونيين يعطي وضوح الرؤية (visibilité) للمواطن والفاعل الاقتصادي، ويؤمن العلاقات والتعاملات على المدى الطويل، وذلك عبر تعزيز التشريع الذي يرتكز على القوانين-الإطار،
  • بناء النصوص القانونية والتنظيمية على أساس الثقة المسبقة في المواطن، وليس على أساس سوء النية،
  • إعداد القوانين مرفقةً بدراسات الجدوى وبنصوصها التطبيقية، حتى يمكن تطبيقها مباشرة بعد نشرها في الجريدة الرسمية،
  • وضع مساطر وآجال خاصة ببعض القوانين الاستعجالية لمواجهة ظروف طارئة لا تنتظر التأخير،
  • تبسيط مقروئية القوانين وقابليتها للتطبيق، مع تحييد ما أمكن سلطة العنصر البشري عند إنفاذها، مما سيساهم في تقليص القواعد والممارسات الموازية وغير النظامية،
  • تقوية درجة مقبولية القوانين لدى المواطن من خلال الإنصات والتفاعل الفوري مع مطالبه المشروعة، وإنضاج النقاش العمومي حول مضامينها داخل المؤسسات المنتخبة وفضاءات الحوار والتشاور، مع إعطاء دفعة قوية لآليات المبادرة التشريعية.

وكما لا يخفى عنكم، توجد الجماعات الترابية اليوم، في صلب التحديات التي تواجه مصداقية وفعالية الديمقراطية المحلية، خاصة في سياق نظام جهوي متقدم هناك تردد في تفعليه، وميثاق لِلَّا تركيز ينقل مركزية القرار إلى سلطة الجهة. وبالتالي، لا بد من الانطلاق حاليا على الأقل، من :

  • تحديد الاختصاصات الحصرية للجماعات الترابية في تمايز وتكامل فيما بين الجهات والمجالس الإقليمية والجماعية مع إعطاء الصدارة الكاملة للجهات؛
  • التوجه نحو جهوية متقدمة بصلاحيات موسعة تفعيلا لمبدإ التدريج والتمايز بين الجهات ( تمهيدا لتطبيق مقترح الحكم الذاتي)، بحيث ينبغي الإسراع في نقل الاختصاصات ومواكبتها بالموارد المالية والبشرية المناسبة، من خلال إحداث مصالح إدارية “لاممركزة” تحظى بالصلاحيات اللازمة ووسائل العمل الضرورية، في مختلف القطاعات المعنية بالاختصاصات المنقولة، وتواكب مجالس الجهات في تنفيذ برامجها التنموية؛
  • وفي إطار تقوية الاختصاصات الذاتية للجهات وتكريس سموها، العمل على اضطلاعها بتنسيق وتتبع البرامج التنموية للجماعات الترابية الأخرى، وكذا مشاريع التوطين الترابي للمخططات القطاعية الوطنية على المستوى الجهوي؛
  • ولتنظيم هذه العملية، نرى أنه من الضروري إحداثُ هيئة استراتيجية للجهوية المتقدمة تتولى قيادة وتتبع تفعيل نقل الاختصاصات والموارد للجهات، وتنفيذ البرامج التعاقدية مع الدولة في إطار السياسات العمومية والمخططات القطاعية المعتمدة؛
  • العمل على تحديد دقيق بين المجالات التنظيمية لرئيس الجهة والمجالات التي تندرج في إطار ممارسة السلطة التنظيمية لرئيس الحكومة؛
  • مراجعة التقطيع الترابي في اتجاه تقليص عدد الجماعات الترابية وتجميعها، وملاءمته مع الخريطة السوسيو-اقتصادية للتراب الوطني، وحتى نُوفر للجماعات مقومات التمكين والتطور أساسا من مواردها الذاتية؛
  • مراجعة الإطار القانوني للجبايات المحلية يأخذ يعين الاعتبار نظام الجهوية المتقدمة، ويضع آلياتٍ وحلولاً ناجعة ومبتكرة لإشكالية التحصيل والباقي استخلاصه.

أخواتي، إخواني

لا جدال في أن مكانة المؤسسات التمثيلية والمنتخبة النابعة من الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمجتمع المدني المنظم، هي مكانة ثابتة بموجب الدستور، في إطار الخيار الديمقراطي، وهندسة السلط المبنية على الفصل فيما بينها وتوازنها وتعاونها (الفصل الأول من الدستور). ولا نفشي سرا إلى أن هناك نقاش مشروع اليوم، وتوجس  لدى بعض الفاعلين من أن يقع اختلال في هذا التوازن بين السلط الثلاث ( التنفيذية والتشريعية والقضائية)، لا سيما بعد ما أصبحت السلطة القضائية مستقلة، بل وعبارة عن مؤسستين/ سلطتين مستقلتين عن بعضهما البعض كذلك.

 صحيح، نحن في لحظة انتقالية، وأمام استقلالية قضائية فتية ينبغي أن تتضافر جهود الجميع من أجل توطيدها في خدمة النجاعة والأمن القضائي لفائدة المواطنات والمواطنين؛ والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. لكن، وبالنظر إلى الأهمية القصوى التي يضطلع بها القضاء في الإقلاع التنموي وترسيخ الثقة، نعتبر في حزب الاستقلال أن استقلالية القضاء هو ركن أساسي من أركان دولة القانون والمؤسسات، الذي يصب في ضمان حقوق المواطن والمقاولة، ويكرس مبادئ مساواة الجميع أمام القضاء، وتوفير شروط المحاكمة العادلة للجميع، وعدم الإفلات من العقاب.

 وكما نعتبر في حزب الاستقلال أن القضاء في سلطته التقديرية المستقلة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الديمقراطية تجاه المجتمع، وبالتالي هناك  حاجة إلى آلية للتوازن من خلال السياسة التشريعية التي تضعها الحكومة أولا،  ثم من خلال العمل الذي يضطلع به البرلمان في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، وذلك بما يُعزز سمو القانون ويُقلص من السلطة التقديرية للعنصر البشري؛ وما سيكون لذلك من وقع إيجابي على نجاعة منظومة العدالة عموما، ولا سيما فيما يتعلق بولوج المواطن إلى المحاكم وجدوة الأحكام وآجال تنفيذها.

وفي إطار هذا التوازن والتعاون والتكامل بين السلط والمؤسسات، لا بد كذلك من إبراز التمفصل الهيكلي بين آليات الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، التي تعزز المشاركة المواطنة والحوار المدني في مسلسل اتخاذ القرار وتقييم السياسات العمومية؛ وذلك من خلال:

 

  • إحداث بنية تنظيمية قارة من شأنها مأسسة الحوار الاجتماعي على المستوى الوطني والجهوي، الثنائي والثلاثي الأطراف، وذلك بناء على التراكمات الإيجابية والاتفاقات المسؤولة، كما هو الشأن بالنسبة لاتفاق 26 أبريل 2011 في عهد الحكومة التي ترأسها حزب الاستقلال في شخص الأستاذ عباس الفاسي؛
  • مأسسة وتفعيل فضاءات الحوار المدني والمبادرة المواطنة التي تتيح مشاركة المواطن في اتخاذ وتتبع وتقييم القرار السياسي والتنموي، مع وضع آليات لقياس رضا المواطن، ولا سيما التفاعل عبر الوسائط الاجتماعية واستطلاعات الرأي وبحوث المنفعة العامة، وغيرها…؛
  • فعلا، هناك اليوم بموجب الدستور إطارٌ قانوني وتنظيمي لممارسة الحق في تقديم العرائض وملتمسات التشريع، ولكن الملاحظ أن هذه الآليات هي الغائب الأكبر في إيصال صوت المواطن بخصوص مختلف الاحتجاجات والنقاشات العمومية والمطالب الملحة المعبر عنها في السنتين الأخيرتين على الصعيد الوطني، وفي عدد من المناطق،

 

  • وبالتالي، لا بد من العمل على انتشال هذه الآليات مما تعرفه حاليا من تعقيدات إدارية ومسطرية وبطء في التفاعل مع الملتمسات والعراض التي سبق تقديمها (4 عرائض فقط وصفر ملتمس حسب الموقع الرسمي)، والتواصل حول مآلها، وذلك حتى يستشعر المواطن بجدوى ومصداقية هذه الآليات في إيصال مطالبه والتفاعل الفوري والإيجابي معها، وكذلك الشأن بالنسبة لتوصيات ومقترحات المؤسسات الاستشارية وإبداء الرأي والحقوق الحكامة.

حضرات الإخوة والأخوات

إن الأمر يتعلق بورش إصلاحي كبير كما تلاحظون، وهو ورش نعتبره مفصليا في تصورنا للنموذج التنموي، وفي تقديرنا لتطورات الظرفية الوطنية، والتحولات المجتمعية الأخيرة. وبالتالي، فإننا نعول على عضوات وأعضاء اللجنة المركزية بتنوع مكوناتها التنظيمية، في إطار الفضاءات الدراسية والاقتراحية التي ستنظمها، من أجل بلورة مضمون إجرائي تدبيري وعملي لهذا الورش الإصلاحي الهام، لا سيما في جانبه المتعلق بالأداء الحزبي، والذي ينبغي أن يُطعِّم ويُحَيِّنَ الاستراتيجية الجديدة للحزب في مرحلتها الثانية (2019-2021).

 

وأختم بما أكدت عليه في البداية، من الحرص على الاجتهاد الفكري والعمل الجماعي الموسع، والنقاش البناء الذي يستحضر المبادئ والقيم الاستقلالية التي نشأنا عليها، ويسير على نهج المرجعية التعادلية المتجددة بتوجهاتها وأهدافها كما أسسها زعيمنُا الخالد علال الفاسي، رحمه الله.

 

والســـــــلام عليكم ورحمة الله تعالى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.